فخر الدين الرازي
218
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وخامسها : أنه تعالى أسمعها كلام الملائكة شفاها ، ولم يتفق ذلك لأنثى غيرها ، فهذا هو المراد من الاصطفاء الأول ، وأما التطهير ففيه وجوه أحدها : أنه تعالى طهرها عن الكفر والمعصية ، فهو كقوله تعالى في أزواج النبي صلى اللّه عليه وسلم وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [ الأحزاب : 33 ] وثانيها : أنه تعالى طهرها عن مسيس الرجال وثالثها : طهرها عن الحيض ، قالوا : كانت مريم لا تحيض ورابعها : وطهرك من الأفعال الذميمة ، والعادات القبيحة وخامسها : وطهرك عن مقالة اليهود وتهمتهم وكذبهم . وأما الاصطفاء الثاني : فالمراد أنه تعالى وهب لها عيسى عليه السلام من غير أب ، وانطق عيسى حال انفصاله منها حتى شهد بما يدل على براءتها عن التهمة ، وجعلها وابنها آية للعالمين ، فهذا هو المراد من هذه الألفاظ الثلاثة . المسألة الخامسة : روي أنه عليه الصلاة والسلام قال : « حسبك من نساء العالمين أربع : مريم وآسية امرأة فرعون ، وخديجة ، وفاطمة عليهن السلام » فقيل هذا الحديث دل على أن هؤلاء الأربع أفضل من النساء ، وهذه الآي دلت على أن مريم عليها السلام أفضل من الكل ، وقول من / قال المراد إنها مصطفاة على عالمي زمانها ، فهذا ترك الظاهر . ثم قال تعالى : يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وقد تقدم تفسير القنوت في سورة البقرة في قوله تعالى : وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ [ البقرة : 238 ] وبالجملة فلما بيّن تعالى أنها مخصوصة بمزيد المواهب والعطايا من اللّه أوجب عليها مزيد الطاعات ، شكراً لتلك النعم السنية ، وفي الآية سؤالات : السؤال الأول : لم قدم ذكر السجود على ذكر الركوع ؟ . والجواب من وجوه الأول : أن الواو تفيد الاشتراك ولا تفيد الترتيب الثاني : أن غاية قرب العبد من اللّه أن يكون ساجداً قال عليه الصلاة والسلام : « أقرب ما يكون العبد من ربه إذا سجد » فلما كان السجود مختصاً بهذا النوع من الرتبة والفضيلة لا جرم قدمه على سائر الطاعات . ثم قال : وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ وهو إشارة إلى الأمر بالصلاة ، فكأنه تعالى يأمرها بالمواظبة على السجود في أكثر الأوقات ، وأما الصلاة فإنها تأتي بها في أوقاتها المعينة لها والثالث : قال ابن الأنباري : قوله تعالى : اقْنُتِي أمر بالعبادة على العموم ، ثم قال بعد ذلك اسْجُدِي وَارْكَعِي يعني استعملي السجود في وقته اللائق به ، واستعملي الركوع في وقته اللائق به ، وليس المراد أن يجمع بينهما ، ثم يقدم السجود على الركوع واللّه أعلم الرابع : أن الصلاة تسمى سجوداً كما قيل في قوله وَأَدْبارَ السُّجُودِ [ ق : 40 ] وفي الحديث « إذا دخل أحدكم المسجد فليسجد سجدتين » وأيضاً المسجد سمي باسم مشتق من السجود والمراد منه موضع الصلاة ، وأيضاً أشرف أجزاء الصلاة السجود وتسمية الشيء باسم أشرف أجزائه نوع مشهور في المجاز . إذا ثبت هذا فنقول قوله يا مَرْيَمُ اقْنُتِي معناه : يا مريم قومي ، وقوله وَاسْجُدِي أي صلي فكان المراد من هذا السجود الصلاة ، ثم قال : وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ إما أن يكون أمراً لها بالصلاة بالجماعة فيكون قوله وَاسْجُدِي أمراً بالصلاة حال الانفراد ، وقوله وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ أمراً بالصلاة في الجماعة ، أو يكون المراد من الركوع التواضع ويكون قوله وَاسْجُدِي أمراً ظاهراً بالصلاة ، وقوله وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ